سألني صديق عقب صلاة الجمعة الماضية عما كان سيؤول إليه أمر أسطول كسر حصار غزة، فأجبته بنحو مما رأينا وسمعنا هذا الصباح، ليس من باب الحدس والتخمين، ولكن لأننا تعودنا على إجرام هذا الكيان الغاصب، وإمعانه في القتل وسفك الدماء، من غير اعتبار لقيم ولا أعراف، وكيف لا وهو الذي نشأ وقام منذ ساعاته الأولى على الظلم والقتل والإرهاب.
ما كان يمكن أن يحول دون أن يقوم الكيان بما قام به؟ القانون الدولي؟ المجتمع العالمي؟ النظام العربي؟ شاهت الوجوه وبئست المسميات، فما قيمة قانون دولي حرّاسه مجرمون، وقضاته منافقون، وأحكامه جائرة، وقراراته عاثرة؟ وما قَدْر مجتمع عالمي غارق إما في ترفه وشهواته، وإما في بؤسه وفقره، أهل الخير فيه قليلون، وأهل التضحية منهم معدودون، إن تحركوا يومًا فهباتٌ تذروها الرياح، وصرخات تذهب بها الأيام. وماذا سيفعل نظام عربي مستخذٍ بائس، متواطئ ذليل، عتل بعد ذلك زنيم، أحسن ما يقال فيه: قد أسمعت لو ناديت حيّا.
إن ما رأينا هذا الصباح وسمعنا ليس غريبًا على كيان ملطخة أيديه بالدماء، فهي تسيل من براثنه وأنيابه، وهو يبدو وحشًا كاسرًا ترعاه أمريكا، وتدلِّلُه أوروبا، وتعينه أذنابهما من بعض الأنظمة العربية المتواطئة، ممن ماتت فيهم معاني الإنسانية، وتلاشت روح الوطنية.
صحيح أن على متن هذه السفن أحرارًا من دول عديدة، وأن مهاجمتها على هذا النحو يمكن أن يكون له انعكاساته السلبية على الكيان، لكن موقف العالم مما سبق من جرائم هذا الكيان أفسح له المجال ليقوم بهذا، وبما هو أبعد من هذا. لقد سكت العالم تواطؤًا على جرائم الكيان في لبنان، التي كان آخر أكبرها قبل أربعة أعوام، ثم جريمته البشعة في غزة، حيث لم تتورع عن استخدام الأسلحة المحرمة التي تهلك الحرث والنسل وتفسد الأرض والأرحام.
بل أين هذا العالم الظالم من جريمة حصار غزة نفسه، الذي فُرض ظلمًا وبهتانًا، تدعمه دول عربية، وقيادات فلسطينية، ترفع اليوم أصواتها بشجب ما أقدم عليه الكيان، وهي التي لولا مواقفها لما كان لهذا الكيان أن يكون ما كان.
إننا نعيش في عالم ظالم، كثير من سياسييه وحوش في ثياب بشر، لا يهمها أن تراق دماء البرآء، ولا يعنيها أن تُجوَّع الملايين، ما دامت أممها تواصل السلب والنهب، لذلك تراهم يغذّون هذه الغدة السرطانية التي زرعت في عالمنا العربي، لتبقى استمرارًا للحقبة الاستخرابية، وتواصلاً مع ماضيها الأثيم.
شجبٌ واستنكار، إدانةٌ وتقريع، قلقٌ واستهجان، استدعاءُ سفيرٍ وطلبُ توضيح، يَجبُ وينبغي، علينا وعليهم: مفرداتٌ رائجة في قاموس المتنفِّذين، كاسدةٌ في سوق المستضعفين، لا معنى لها ولا مدلول، وما يُغني الشجبُ والمشجوبُ يواصل جرائمه صُبحَ مساء؟ يفتن الناس في كلِّ عامٍ مرةً أو مرتين، وما تنفعُ الإدانةُ والمدان هو من يُستجدى منه السلام، ويطلب منه الصفح والغفران؟ وما سفيرٌ يستدعى اليوم ويُكرَّم غدًا؟ وما "يجب" ولا مُوجِب؟ وقلقٌ لا يتبعه فعلٌ يُحاسَب فيه الظالم، وينصف فيه المظلوم؟ ثم اعجب من توضيحٍ يُطلب، وتحقيق يُراد، في أمر هو أوضح من الشمس في رائعة النهار، وردِّد مع الشاعر قوله:
سقنا الأدلة كالصباح لهم فما * أغنت عن الحق الصُّراح فتيلا
من يستدل على الحقوق فلن يرى * مثل الحسام على الحقوق دليلا
لكن ها هي ذي مياه البحر تختلط اليوم بدماء أحرار جاؤوا من أصقاع العالم، حرّكتهم الإنسانية، ودفعتهم المرحمة، واستنفرتهم بشاعة الظلم، وقِحَةُ الظالمين، رجالٌ صدقوا ما عاهدوا أنفسهم عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا، ندعو الله أن يجزيهمُ الجزاء الأوفى، ونرجو أن يكون لدماء من قضى منهم ما وراءها، وألا تضيع سدى كما ضاع غيرها، وليس بوسعنا إلا أن نترحم على أصحابها من شهداء الحرية والإنسانية، كما ترحمنا أمسِ على شهداء غزة الصبور.
تاريخ النشر: 01/06/2010